متكئة على الوسادة .. تمارس لونا من التمدد .. وقد تكوّر أمامها بطنها ..
مررت يدها عليه بلطف وكأنها تمسد رأس طفل حديث الولادة .. !! تمرر يدها مرة بعد مرة وتدعك عينيها : ربما أحلم .. ربما أحلم .. وتمثلت أمامها سنوات الشقاء ..
الطبيب .. الأشعة السينية ... تحاليل الدم والهرمونات .. عمليات ... منظار .. وأشياء أخرى لا تحب رائحتها ..
تذكرت جمود الدم في عروقها والانتكاسة التي أصابتها حين صرخ الطبيب في وجهها :
سيدتي : حملكِ مستحيل .. !!
فابتلعت تقرير الطبيب كبذرة علقم تثمر في جوفها ألما ..
وكانت صويحبات الحي ينظرن إليها كنخلة يابسة .. أو غيمة لا تمطر أبدا .. أو أرض صماء تعب الماء ولا تبتهج بالإثمار ..
يلكن قصتها مع اللبان على شرفاتهن مع الأصائل .. ويرتشفن سيرتها مع شاي العصر كلما جمعهن حديث ..
كلما رآها أحد رمقها بنظرة شفقة .. ورماها بجملة تطعنها كالخنجر المسموم : ( الله يرزقك الذرية الصالحة ) ..وكلما انتفخ بطن إحداهن .. تفتحت الجراح وانسكب الألم .. ولا يزال الأمل موءود .. وكلمات الطبيب ترن في
مسامعها ( حملكِ مستحيل ) .. !!
شقة ( شفيق ) شقيق زوجها تعج بفوضى الأطفال .. وقد ضاقت عن احتواء لعبهم.. كراريسهم .. أدواتهم المدرسية .. وأسرتهم .. سينتقلون قريبا إلى بيت يسعهم ويسع كل ما يخصهم أما هي فشقتها خواء .. مسكونة بالصمت والأشباح ..
تتسلل كل يوم إلى ( غرفة الطفل ) التي جهزتها مع جهاز المنزل .. غرفة رائعة مكتملة .. وساحرة .. لا ينقصها سوى طفل يؤثث الفراغ بالصراخ .. ويترك ألعابه على الأرض بعفوية ليختل ترتيب الغرفة التي لم يبرحها منذ سنوات ..
ألم يتزوجا في ليلة واحدة ؟؟ !! ؟؟
((هل أصابتنا ( عين حاسدة ) حين زففنا ولدينا معا ))
جملة لا تمل حماتها من تكرارها على مسامعها .. والجرح يتسع .. !!
تكاد الأحاديث أن تخنقها .. لا تستطيع أن تتنفس إلا موضوعها وكأنها أحدوثة العصر ..
يعتصرها الألم كلما رأت طفلا حديث الولادة .. تلتقطه بلهفة .. تضمه إلى صدرها بوله .. وتطبع على جبينه قبلات أمومتها المحرومة ..
تتخيل ذلك الصغير طفلها ( الحلم الموءود والأمل الذي قتلته تقارير الأطباء ) .. مشاعرها تشهد حالة غليان .. ولا شيء سوى الحرمان والصبر ..
نعم الصبر .. ذلك الذي تعب من زوجها .. وأتعبته تعليقات المجتمع :
أتبقى أبتر دون ذرية ..!! لا تطلقها شفقة بها .. وهي ابنة عمك على كل حال .. ولكن لا تصبر على امرأة عاقر..!!
وهكذا حمله الناس على الزواج بأخرى تهبه ابنا يحمل اسمه بعد عمر مديد .. تزوج وهي راضية لم تعترض .. لم تصرخ ..
تألمت حين زغرد البيت بطفل جميل فك عقدة الصمت .. كم تمنت أن يكون ذلك الصغير من جوفها ..
لكنها أحبته بشدة .. واتخذته ولدا .. وكانت احن عليه من أم ..
ولما قال الله ( كن فيكون ) : تطايرت كلمات الطبيب أدخنة فارغة ..
ركلات رجليه على جدار رحمها تؤكد كونه حقيقة ..
ابتلعت ريقها..وتنهدت : ( حملكِ مستحيل )
..رباب حسين..........................
6 / 4 / 1425 ه ـ 25 مايو 2004 م.
الرياض