|
في خـــــــ رقصة ـــــــيمة الزفاف
|
رقصة .. في خيمة الزفاف ..
( 1 )
القرية نائمة في أحضان الأمواج الكحلية ..!! يتقاذفها الموج الأزرق .. خيوط الفجر تغزو مقلة الشمس المتثائبة في سريرها الأزرق !! ثمة صخب أزلي عند أذيال الشاطئ يزعج هدوء الشمس !! أهو الساحل يجر أذياله اختيالا بعد حفلة البارحة ؟؟ أم هي المراكب الخشبية الصامدة تعزف أنشودة الوصول وترانيم السلامة..
تزركش لون الرمل بخطوات الصيادين المبتلة .. لتعبد الطريق بالأراجيز إلى سوق السمك .. فتتشابك خطوات السماكين بخطوات المزارعين .. تشق ذلك الدرب القديم المتكئ على أعناق النخيل .. ثم لتفترق عند مدخل سوق القرية ..
( 2 )
صخب غريب هذا اليوم لم يعرف معنى الصمت !! نشاط متميز وحضور متألق .. ( همتكم يا شباب !! ) .. ثمة أقمار تشع في وضح النهار .. تشمر عن سواعدها السمراء .. تقبل الأرض .. وتحفر أخاديد طولية !! تشد الأوتاد المتطاولة !! فتعلو جمهرة من التصفيقات !! الصبية يتابعون ارتفاع أعمدة الخيمة بقلوب مبتسمة !! الصبية يتابعون ارتفاع أعمدة الخيمة بقلوب مبتسمة !! وكأنما يمنون أنفسهم بذلك اليوم الذي لم يلده رحم الزمان .. ليمتطي صهوة جواده الأبيض .. فيطير يطير بجناحين من نور .. فيخطف ملاكه المرتقب .. ليغيب في اللامكان .. اللازمان .. اللاعنوان .. فقط هو .. وملاكه الصغير!! يرحلان إلى الثريا .. يفترشان خد القمر ويلتحفان زرقة الأفق .. يشعلان الليل باقة نجوم متدلية من سقف السماء .. تباركهما الملائكة ..
وتقدسهما المجرات .. وتزفهما الأفلاك !!
( 3 ) ..
كالجمل المتثائب يرنو للنهوض .. ارتعشت أركان الخيمة الوليدة .. لتجرب الوقوف على أطراف الأوتاد !!
تبث أهازيج الصبية في تضاعيفها روح الحماس .. وتشجعها للانتصاب بقامتها الممشوقة في باحة القرية ..
.. كطفل أدهشه الوقوف للمرة الأولى !! تحثه ابتسامة أمه الحنون .. وتبعث الثقة في نفسه ليكون أكثر اتزانا.. يتحول طفل الخيمة المتزن إلى خلية تموج بالشباب .. يطيرون من زاوية ليحطون على أخرى ..
امتلأ السقف بالأكاليل الملونة .. أقمار ونجوم براقة .. قلوب بلون الدم الأرجواني .. أوراق نحيلة لولبية تطرز الزوايا !! تتشح الأرض الرملية سجاجيد حمراء ذات نكهة فارسية ..
.. تتشابك أطرافها لتخفي حبيبات الرمل الطينية تحت نسيجها المحكم !! لا تستطيع الخيمة أن تخفي ابتسامتها المعطرة .. ولا يقوى شلال الهواء المتدفق
من تلك الفتحات الصغيرة أن يبدد عبق البخور .. وأريج الريفدور المتشبث بأوكسجين الخيمة !! تتصاعد رائحة الفرح .. تمتزج بالتهليل والتكبير .. هي والليل على موعد !!
( 4 ) ..
الفرح يزغرد .. يملأ قلبها بالتلهف .. كأنما جدران البيت قطعة مقطوفة من نجم الثريا .. يتشعشع بالأنوار التي تشعر بأنها تشرق من الداخل .. من قلبها البكر .. من فؤادها الصغير الذي لم يعرف النبض يدوما إلا على صدى حبة .. تغمض عينيها بعمق لتراه أمامها .. يتجسد حسن طيف ملاك مبتسم .. تغمض عينيها أكثر لتحتفظ بالصورة .. يتدفق شلال من الذكريات .. والأمسيات السحرية ..
تسري في جسدها ارتعاشة لذيذة وهي تسترجع صوته حين دق أسماعها للمرة الأولى .. وأنفاسها المتلاحقة .. وكيف كان صدرها يعلو ويهبط .. والنبض يكاد يخترق أضلعها حين صافحت عيناها الخجولتين ملامحه لأول مرة ..
تتذكر .. كم كانت خائفة حينها .. الخوف ألجم لسانها وأرخى سدول عينيها إلى الأرض .. يااااااااااااااااه ..
هل سأعيش مع هذا الكائن الخشن ؟؟ هل سيطل علي كل يوم بشاربه الكث ولحيته الرجولية .. وقوامه الفارع ؟؟ يرفع ذقنها بلطف .. أنظري إلي .. أنا زوجك الآن ..
فتعقد الدهشة والخجل لسانها .. فترتخي نظارتها أكثر إلى الأرض ..
ويجرها بساط الذكريات إلى طبق العسل .. حين غمس خنصره الصغير وأدناه من فمها لتلعق العسل .. كم كانت تشعر بالخجل أمام الناس .. وكيف دوّت ضحكته السعيدة وهو يخادعها فيبعد إصبعه ويدنيها تارة أخرى .. يمازحها ليكسر حاجز الخجل شيئا فشيئا .. جعلها تفكر أكثر في هدف المجتمع من هذه البروتوكولات الغريبة التي يقننونها للخطيبين في سبيل التقريب بينهما ..
تتذكر ذلك القرط الذهبي العجيب وقت ( التلبيسة ) حين فتحه حسن بصعوبة فقوبل التصفيق الحار .. والابتسامات والعيون المتلهفة المراقبة .. وحين عجز هن إعادة إغلاقه في أذنها ..
كم كانت اللحظات سحرية ورائعة ..
تغمض عينيها .. تستعيد البحر .. ذلك الصديق الغامض الذي كانت تبثه همومها وشجونها .. أسرارها وخباياها .. وتنفث فيه الزفرات التي يعجز صدرها عن احتمالها ..
تستعيد تلك الزوارق الورقية التي كانت تصنها من أوراق مسوداتها فتتركها تتهادى على أطراف موجة ..
ولكنه اليوم مختلف .. انقشعت عنه سحب الهموم وامتلأ أفقه بالنوارس الحرية .. تخفق في فرح غير معهود فقد رافقها اليوم إلى البحر .. تتشابك أيديهما .. فتجاوبهما الطبيعة بأصداء الفرح .. تشعر وكأن كل شيء سعيد بسعادتها ..
كان البحر يحمل صفاء عينيه .. والنوارس تعكس مرحه .. والعشب صدى لاخضرار روحه ..
ياااااااااااااااااااااااه .. هل هذه الصور مخزون سأحتفظ بها داخلي للأبد .. أو هو مستور تحت الجفنين أغمضهما فيطفو كل شيء على السطح .. ؟؟
هل ستخونني الذاكرة يوما عن استرجاع أغلى اللحظات ؟؟؟؟
تفتح درجها الصغير فتعبق رائحة عطر مضمخة بعبق الحب .. وتنشر أوراق الرسائل على السرير .. ( أعاهد الله ورسوله أن أكون زوجا مخلصا يفديكِ بروحه ) كلماته مختصرة لكنها صادقة وعميقة ..
تحتضن الأوراق كطفل صغير دافئ ..
تغرق في خضم عالم آخر ..
فتوقظها طرقات على باب الحجرة .. وصوت أمها يعبر العالم الخارجي ويزج بنفسه في عالمها الخاص ..
فاطمة ؟؟؟ ألا تزالين نائمة يا حبيبتي ؟؟؟
استيقظي يا أجمل عروس في وجودي .. !!
( 5 )
تنتبه فاطمة .. ترتبك .. تلملم الرسائل بسرعة .. وتزج بها في الدرج الصغير .. تنهض سريعا وتفتح الباب ..
تجذبها أمها إلى حضنها وكأنها شيء ثمين ستفتقده قريبا .. دعيني يا سر وجودي أتأمل عينيكِ .. وقوامكِ الرشيق يا أحلى معزوفة في حياتي ..
قريبا تصبحين زوجة .. وأما .. لا أكاد أصدق بأن حبيبتي الصغيرة التي تعلمت الخطو يوم أمس تكر خطوتها لتخطر خارج المنزل ؟؟
هل تكون حقا هذه الليلة الأخيرة التي تبيتينها هنا في سريركِ ؟؟ في غرفتكِ ؟؟ في بيتنا ؟؟
قبلت فاطمة رأس أمها .. وتدفقت على صدر أمها دموعها الحارة ..
كفكفت أمها دموعها بأطراف أناملها .. لا تفسدي يومكِ بالدموع يا غالية .. تقول ذلك بصوت متهدج .. وتحاول أن تبدو متماسكة .. !!
هيا يا فاطمة .. بعد قليل سيأتي خالك لأصطحابكِ إلى الصالون ..
هيا اسرعي .. !!
__________________
يتبع .. |
| التوقيع |
|
سأغنيك رغم الصمت
 |
|