رتل المطر على صفحة الليل ارتعاشا ..
وصرخت العواصف بين الأزقة الموحشة ..
لا شيء في هذا الليل الطويل سوى زفرات الشتاء ودموع اليتامى ..
أغلقت الحوانيت أبوابها ..وفر الباعة من قسوة الهطول تحت مظلاتهم إلى دفء البيوت ..
والالتفاف حول المواقد في حنين أسري وتكاتف فريد ..
خيمت العتمة على الأرصفة الخالية .. وطوت الخطوات آثارها تحت القطرات ..
هناك حول المدفأة التفوا يلتمسون شيئا من الحرارة ..
يصطلون هروبا من البرد الذي تسرب حتى عظامهم ..
فأنهكهم يوم حافل بالمطر ..
رائحة شواء الكستناء تثير شهية الجوع ..
وأكواب الحليب الدافئة تثير تماسكا عائليا تحملها فاطمة بين يديها فتتسرب رائحة الدخان حتى يعبق بها المكان ..
سرح محمد بين يدي جريدة يتابع آخر مجريات الساحة الرياضية فهو يعشق الكرة مذ كان طفلا لم يتجاوز الرابعة ..
أمام دفترها تمددت هيفاء على الأرض تصحح أخطاءها الإملائية ..
حين لاحت الأم باتسامتها الدافئة :
( تفضلوا يا أعزائي : العشاء جاهز ) ..
وقبل أن تمتد الأيدي الجائعة إلى قطع الطعام إذا بجرس الباب يرن بإلحاح ..
يتساءل الأب في استغراب :
من يطرق بابنا في هذا الوقت المتأخر وفي هذا الجو العاصف الممطر ؟؟؟
وينسحب بهدوء تاركا ملعقته مستندة على صحن أرز ..
يتأمل رجلا رث الهيئة ، متسخ الثياب ، مبللا بمياه المطر..
يبدو على وجهه انكسار الحاجة .. وتتهرب عيناه من ذل السؤال ..
يبتلع ريقه الجاف وينظر نحو الأب بأسى وخجل :
سائل بعثته لك الأقدار .. لا أدري لماذا وقفت عند هذا الباب ؟؟؟
يتضوع عيالي العشرة جوعا كعصافير مشردة في هذا الليل البارد !!
حاولت إسكاتهم وإيهامهم بأن في القدر طعاما ..
ولكن إلهاما ألح عليّ بالخروج الساعة ..
فحملتني قدماي إلى هنا .. فهلا ساعدتني يا أخا العرب ؟؟؟
يتململ الأب حزنا ويفيض شفقة ..
يمنح السائل كل ما احتواه جيبه من نقود ليسد حاجة عياله وجوعهم القاهر ..
يرنّ الهاتف بإصرار شديد ..
ترتجف السماعة المتجمدة بين يديه فيتساءل : من المتكلم ؟؟
صوت أجنبي شاحب يبدو أنه زاحف من أمريكا ..
يصرخ في لهفة : زوجتي ولدت .. أنجبت فتاة كفلقة القمر ..
قلبها يتوقف عن النبض.. والموت يهدهدها في قبضة احتضار ..
تبتسم ابتسامة الفراق الأبدي ..
لكنما يتجدد النبض في ساعة احتضاراتها .. وتعود النضارة لوجهها المزرق ..
كرم الله يفوق الحدود .. !!
تمتم الأب : سبحان الله .. كم ترد الصدقة من بلاء ..
الآن أيقنت أن الرحمة الإلهية أرسلت لي هذا السائل .
رائعة أخـرى ذات مضامين راقية أحييك عليها وحق لناأن نشكر نصاً ذا رسالة سامية .
أبـدعت كعادتك ولا غرابة .
أهــلا بك أخت ربــاب من جديد .. وقد عطـرت المكان بحضــورك الأجمل دائماً .
توقيع إبراهيم جبران
كن على تواصل دائم معنا بتسجيل بريدك ضمن قائمة أزاهير البريدية عبر الوصلة التالية ( أنقر هنا )
علماً أننا سنعتمد القائمة كوسيلة تبليغ بجديد المنتدى دائماً
أوقاتاً نافعة وممتعة نتمناها لكم
الأخت المباركة رباب :
ليس أدعى إلى الوقوف وقفة تأملٍ فاستحسان .. من اتخاذ جبلاتِ النفوس وطبائع الروح مطايا لنشر خير استتر .. أو تأكيد خلق كريم ..
وحين يكون ذلك من خلال نثر الحبر على مواضع النبض .. وتتبع بقايا الإحساس ... يكون نتاج ذلك رائعة كهذه ... تنساب خلالها الأحاسيس .. وتورق ثم تزهر مجدبات النفوس ...
هي الصدقة .. تنوعت أصنافها ... واتحدت آثارها ... وقل باذلها ...
هل الصدقة إلا بذل الروح لا بذل الكف ... وهل كل الناس ذو روح باذلة .
دام سعدك وطابت نفسك وكرم فعلك ..
بارك الله فيك وبارك لك .
إقتباس :
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالخالق بن عبدالله
الأخت المباركة رباب :
ليس أدعى إلى الوقوف وقفة تأملٍ فاستحسان .. من اتخاذ جبلاتِ النفوس وطبائع الروح مطايا لنشر خير استتر .. أو تأكيد خلق كريم ..
وحين يكون ذلك من خلال نثر الحبر على مواضع النبض .. وتتبع بقايا الإحساس ... يكون نتاج ذلك رائعة كهذه ... تنساب خلالها الأحاسيس .. وتورق ثم تزهر مجدبات النفوس ...
هي الصدقة .. تنوعت أصنافها ... واتحدت آثارها ... وقل باذلها ...
هل الصدقة إلا بذل الروح لا بذل الكف ... وهل كل الناس ذو روح باذلة .
دام سعدك وطابت نفسك وكرم فعلك ..
بارك الله فيك وبارك لك .
ربما يكون في الإبداع رموزا تحتاج إلى ضوء مبدع كاشف..
وقراءة متميزة تزيح ستائر النص عن معانِ أجمل ..
وتفتّق الكلمات ليتسرب العبق ..
أخي الفاضل : عبد الخالق :
عدستك المبدعة و تعقيبك الغني أثريا النص وذيلاه ببيان يفوق الروعة ..
الاخت العزيزة / رباب تحية من الله عليك
وبعد :-
كم لهذه الكلمات من تأثير ولكن اين المتعض الذي يسمع القول فيتبع احسنه
يقول سبحانه ( وذكر فإنى الذكر ينفع المؤمنين )
شكرا على هذه القصة المعبرة المذكره
وفقك الله للخير .